الشيخ محمد جواد البلاغي

54

الهدى إلى دين المصطفى

( فإن قيل ) إن القرآن قد كرر في سورة القمر قوله تعالى : ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) أربع مرات . وكذا قوله : ( فكيف كان عذابي ونذر ) ، وكرر في سورة الرحمان سورة المرسلات قوله تعالى : ( ويل يومئذ للمكذبين ) عشر مرات فما الوجه في هذا التكرار في السورة الواحدة ؟ ( قلت ) إن للتكرار في الخطابة مناهج البلاغة لمقاما يتنافس فيه البلغاء ، وغاية يتسابقون إليها فيكررون ما يعنيهم أمره ويهمهم تثبيته في القلوب ، ويجلونه بالتكرار ليفتحوا به المسامع ويملأوا به القلوب تنويها بشأنه ، وحياطة للغرض المهم فيه ، فيتفاوتون في الإحسان به كما يتفاوت في الجودة والمناسبة واقتضاء الحال . قال الحرث بن عباد في قصيدة لما قتل مهلهل ابنه بجيرا : قربا مربط النعامة مني * لقحت حرب وائل عن حيال فكرر صدر البيت في أربعة وأربعين بيتا ، إلى قوله : قربا مربط النعامة مني * ليجير فداه عمي وخالي وقال مهلهل في قصيدة : على أن ليس عدلا من كليب * إذا خاف المغار من المغير فكرر صدر البيت سبعة عشر مرة ، إلى قوله : على أن ليس عدلا من كليب إذا هتف المثوب بالعشير وكرر قوله ( قربا مربط المشهر مني ) في صدور أبيات كثيرة ، وكرر عمر بن كلثوم في معلقته قوله ( بأي مشيئة عمر بن هند ) في صدري بيتين وكررت ليلى الأخيلية في رثاء ، توبة قولها في قصيدة ( فنعم الفتى يا توب كنت إذا التقت ) في صدور ستة أبيات ، وقولها منها ( لعمري لأنت المرء أبكي لفقده ) في صدور أربعة أبيات ، وقولها منها ( فلا يبعدنك الله يا توب ) في صدور أربعة أبيات . وهكذا حسان بن ثابت في شعره قبل الإسلام جوابا لقيس بن الحطيم